أخبار جديدة

سالم عبود بطل من الجبل الرفيع

aa

محمد حسين لمع*

كانون الأول 1995، وصلتُ القرية قادمًا من بيروت، بعد أن بدأت عطلة رأس السنة في الجامعة، يسبقني عشقي لقضاء أيام الشتاء و البرد بين أهلي و إخوتي و اصدقائي و سهرات الدفء قرب المواقد. 

وضعت حقيبتي، تناولت الطعام، ثم سرحت قاصدًا الشباب، و بشكل خاص الأحبة، عبد الله و مصطفى.

دخلت عليهما فلقياني بالعناق و القبلات، لكن التجهم بدا في ملامحهما. سألت عن السبب، فأجاب عبد الله: سالم* مفقود منذ يومين، لقد انقطع الاتصال به بعد مواجهة في جبل الرفيع.

أحسست بالشلل يسري في أطرافي، و جمد الريق في فمي، و هويت إلى كرسيٍ يسندني، ثم جلسنا نحن الثلاثة دون كلام.

وا أسفاه عليك يا سالم، قلتُ باكيًا، فانتهرني مصطفى، سالم راجع و بكرا بتشوف. سكتت و الغصة في قلبي و رأيت الدموع تترقرق في عيني مصطفى، ثم ساد صمت رهيب.

لم أنم تلك الليلة، و كيف لمن يعرف سالم أن ينام؟ أو كيف لمن ظفر بنظرة من عينيه أن ينساه؟

غفوت و الدموع تبلل وسادتي، كنت أعرف أن في مثل هذه الحالات من فقدان الاتصال يكون الأمل شبه معدوم بالعودة خاصةً أن المكان هو الجبل الرفيع، يعني جوار البلدة و ليس مثل حالات أخرى كان الاتصال يُفقد مع مقاومين داخل الشريط المحتل ثم يعودون بعد مدة ليست بقصيرة، فلو كان سالم حيًّا لعاد، و لو كان جريحًا لأرسل إشارة استغاثة، يبقى احتمال الأسر. هل من الممكن أن يكون أسيرًا؟ يا رب، حدثّت نفسي، أسير خيرٌ من شهيد، غدًا تبادله المقاومة بجنود صهاينة، و السيد حسن وعد و وفى قبل ذلك، هذه أمّة لا تترك أسراها في المعتقلات. لكنه قد يتم تعذيبه بشكل وحشي، أليست الشهادة أفضل و أرحم من الأسر بين يدي هؤلاء المتوحشين؟

هكذا كان صباحي، مشاعر متناقضة، و قلقٌ و حزن.

أكلت لقمة صغيرة و خرجت أفتّش عن خبر يبرّد قلبي. أخبرني الشباب أنهم يراقبون الجبل الرفيع ليل نهار و أنهم نصبوا الكاميرات لهذا الغرض، كما قام سلاح المدفعية بقصف الاحراج التي يحتمل وجود القوة الصهيونية فيها. أما الأمل بعودته، فكان يتلاشى مع تقدم الوقت، و إسرائيل لم تعلن عن أي أسير مع أنها تحدثت عن مواجهة عنيفة حصلت في أحراج الجبل الرفيع منذ أيام.

و جاء الخبر اليقين… سالم شهيد، و جثمانه في أرض الميدان عند أول الغابة من الجهة الغربية للجبل.

كان سالم مقاومًا استثنائيًا و شخصًا محببًا عند كل من عرفه. و عدا عن قدراته العسكرية في التخطيط للهجمات و ابتكار الاساليب الجديدة لمقارعة الاحتلال و قيادة مجموعة كبيرة من المقاومين، كان شجاعًا يتقدم المواجهات التي يلتحم فيها مع جنود النخبة الصهاينة. خدم في بداية عمله المقاوم ضمن صفوف المقاومة المؤمنة و قاد مجموعة من الشباب المتحمس و المخلص، فكانوا رغم قلة العدد و ضعف الامكانات يشغلون مواقع العدو على جبهة السويداء و سجد و الجرمق و لا يمر أسبوع دون عملية في هذا المحور، فلم يكن المحتل و لا عملاؤه يعرفون طعم الراحة. و عندما اقتضت المصلحة، كان سالم يقود مجموعته للاندماج مع فصائل المقاومة الاسلامية غير سائلٍ عن أي مناصب أو مكاسب أو رتبة، و قد استشهد من مجموعته هذه فيما بعد، عباس محمد نذر، قبل ان يلحق به هو و من بعده مصطفى كامل نذر الذي لم يتأخر بعده كثيرًا. هذا في الجانب العسكري، أما في حياته المدنية، فكان ذا فكرٍ نيّر و ثقافة واسعة و أخلاق عالية و معشر حلو، لم يعرفه أحدٌ إلا تعلّق به و أحبّ صحبته. و ما ميّز هذا القائد الكبير هو تفانيه و إخلاصه و بصيرته و نزاهته و تضحياته الجسام و عضّه على الجراح في سبيل هدفٍ واحد، هو مقارعة العدو و الدفاع عن شرف الامة و المستضعفين من أهل الجنوب.

سالم إذن، يتوسد عشب الجبل الرفيع، و لا بد من سحب الجثمان الطاهر. بعد وضع الخطّة، تحركت المجموعات صوب الجبل مستفيدةً من الظروف المناخية و الغطاء المدفعي، و ما هي الا ساعات حتى كان الجسد في منزله في البلدة.

و في يوم عيد الميلاد، في الخامس و العشرين من كانون الأول، كان نعش سالم يطوف شوارع البلدة التي خرجت بكبيرها و صغيرها لوداع واحدٍ من خيرة أبنائها، و خلف النعش، سار مئات المجاهدين و كثير منهم استشهد بعد حين، فشهادته كانت مدرسةً و مصداقًا للنهج الاصيل و الاخلاص و التفاني و التضحية. لقد ترك سالم مباهج الدنيا، ترك ابنه محمد الذي كان طفلًا، و ترك عبد الله الذي كان يحبو و قد حدّثني ذات مرّة أنه عندما يكون في جبل الرفيع، يحرّك منظاره صوب البيت لعله يلمح طيف عبد الله الذي لا يغيب عن باله أبدًا. و ترك بيتًا كان قيد البناء و لم ينتقل إليه، إلا أن نعشه قد سُجّي فيه.

هذه هي ثقافة الشهداء و المجاهدين، كانت و ما زالت كذلك. هذه المسيرة المحفوظة بعين الله، مستمرة و قوافل الشهداء تصنع النصر، فالسويداء و الجرمق و سجد تحررت بدماء سالم و رفاقه، و حلب تذوقت طعم الحرية من التكفيريين بدماء عاهد و السيد محمد نور الدين، و فلسطين هبّت عليها ريح الحرية من دماء أبو عيسى..

السلام على سالم، يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيّا..

*عن صفحته على فايسبوك.

*الشهيد سالم محمد عبود/مواليد عربصاليم 1975/استشهد في جبل الرفيع باقليم التفاح في 21-12-1995.

fb_img_1482712629663

 

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: