أخبار جديدة

تاريخ المْصَلِيِّة من سعف النخل إلى هدايا الحجاج الصيني!

aa

السَجَّادة في الأصل هو اسم “المصليِّة” المتخذة لخصوص الصلاة,عرفت به لارتباطها بالسجود من أفعال الصلاة, ثم صارت الكلمة تستخدم لكل ما يفرش على الأرض مما يشاكلها في مواده الأولية وصناعته ولو لم يكن اتخاذه لخصوص الصلاة[1].

لم تعرف المساجد في صدر الإسلام[2] أي فرش على أرضها بل كانت ترابا وحصى ويدل على ذلك شكوى بعض الصحابة من حرِّها على جباههم ولجوئهم إلى أحد أمرين:

1- “الإبراد” وهو إما تبريد الحصاة برفعها من الأرض باليد حتى تبرد أو انتظار الظل بعد أول الوقت.

2- إتخاذ “الـخُمْرَة” وفي الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخدمها في بيته وهي حصير صغير قدر ما يسجد علـيه ينسج من سَعَفِ النـخـل, قال الزجّاج: سمّيت خُمْرة لأَنها تستر الوجه من الأَرض. وإذا طالت واتسعت لبدن المصلي سميت حصيرة سواء اتخذت من السعف أو من أي قش آخر.

وجدت خلافا بين المؤرخين لسيرة الحاكم بأمر الله بعد الإتفاق على أنه فرش المساجد بالحصر والخلاف في حصوله على حصير كان الخلفاء يصلون عليه في صلاة الفطر من بيت الإمام الصادق عليه السلام وهو هل أن أهل المدينة أتوه به في جملة ما جاؤوه به من البيت هدية أو أنه هو الذي أرسل معاونه ياروختكين العضدي فجاءه بها, وصاحب البداية والنهاية ذكرهما معا بصورة غريبة في تأريخه لسنة أربعماية هجرية[3].

وتذكر الكتب الفقهية أنواعا من الخلاف حول اتخاذ سجادة للصلاة سواء في المسجد أو في البيت لكنني لم أجد تاريخ ابتداء صناعة “المصلية” من خيطان الصوف الملونة ولمن صنعت مع أن متاحف السجاد تذخر بأنواع منها تدل زخارفها (محاريب ومآذن..) على اختصاصها بالصلاة, وكان أئمة الصلاة يميزون بها عن جماعة المصلين الذين يصلون على الحصر صيفا وعلى البسط شتاء حتى فرشت المساجد بالسجاد ولاحقا بالموكيت أو السجاد المنقوش بشكل مصليات متصلة تحفظ استقامة وقوف المصلين في خط أفقي واحد خلف الإمام.

صارت المْصَلِيِّة لاحقا من الأدوات التي لا يخلوا منها بيت مسلم, تصلح أن تكون من أي نوع شرط الطهارة, لكن تميز الشيعة والمالكية بتخصيص كون مسجد الجبهة من الأرض أو مما تنبته, ولذلك رأينا مساجد بيروت قبل موجة الفرش بالسجاد والموكيت تترك فراغات بين السجاد وحوله يظهر الحصير فيها لتمكين جبهة المصلي مما يرى صحته للسجود[4].

تطورت المصلية الفردية في جهات عدة, من سعف النخل[5] إلى القش السادة أو المطبع بصور وزخارف,أو المصنوعة من قش العود العطري إلى سجادة القماش وذات الوجهين قماش او كلبافت من جهة وبلاستيك للأرض احتياطا في الصلاة في الأماكن المكشوفة شتاء, مع بقاء وتطور المشغولة من الصوف أو المخمل القطيفة, وليس انتهاء بالمصلية المزودة ببوصلة تحدد اتجاه القبلة, وبينما كنا نلف المصلية بصورة اسطوانية تهيأت المصلية الشنطة التي تفتح وتغلق.

وبالعودة إلى العنوان موضوع الإستغراب فإن سببه هو كون المْصَلِيِّة الصينية هي الأرخص بين كل المصنوعات من جنسها التي تعرضها الأسواق للحجاج من هدايا يأتوننا بها, وحتى في سائر أنواع الهدايا الأخرى من مسابح ومجسمات للحرمين الشريفين وما إليها…

أعرف أن عددا من الدول الإسلامية تنتج المصليات ومع ذلك فإن الصين تزاحمها في أسواقها الداخلية فضلا عن أسواق الحرمين, فلماذا؟

وعلى ماذا ستزاحمنا الصين بعد؟

الشيخ علي خازم, ‏الخميس‏، 22‏ أيلول‏، 2016

 

———————-

[1] إلى الستينات لم تكن البيوت العادية تفرش في أرضها غير الحصر والبسط وجلود الحيوانات بصوفها ووبرها حتى انتشرت صناعة السجاد الآلية فأرخصتها وتمكن الكل منها.

[2] قال الحافظ ابن حجر: قال ابن بطال : لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة عليها إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتي بتراب فيوضع على الخمرة فيسجد عليه , ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع والخشوع فلا يكون فيه مخالفة للجماعة.

[3] قال: ” وفيها: ورد الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصادق بالمدينة فأخذ منها مصحفا وآلات كانت بها، وهذه الدار لم تفتح بعد موت صاحبها إلى هذا الآن، وكان مع المصحف قعب خشب مطوق بحديد ودرقة خيزران وحربة وسرير، حمل ذلك كله جماعة من العلويين إلى الديار المصرية، فأطلق لهم الحاكم أنعاما كثيرة ونفقات زائدة، وردّ السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به.فردوا وهم ذامون له داعون عليه”. وقال إبراهيم كامل : ” ففي سنة “400 هـ ” أوفد الحاكم أحد “الزنادقة” واسمه “ياروختكين العضدي” إلى “المدينة المنورة” لينقب في دار “الإمام جعفر الصادق” –والتي لم يجرؤ أحد على فتحها بعد وفاته عام” 148 هـ”- عن الذخائر التى تحتوى عليها وقد جمع “ياروختكين” ما وجده بالدار, وبالأخص: مصحف وحامل من خشب مطوق بحديد ودقة خيزران وحربة وسرير, فحمل جميع ذلك إلى القاهرة فأخذ الحاكم جميعها باستثناء السرير, ومما تجدر الإشارة إليه أنه من بين الذخائر قطعة من حصير كانت تستخدم كسجادة صلاة للخلفاء في وقت صلاة الفطر.”.

[4] وقد زرت سنة 2000 أحد المساجد القديمة الكبيرة في نيجيريا وأهلها بغالبيتهم مالكية فرأيته على السُنَّة القديمة: أرضه رمل ولم تدخله الكهرباء فلا يضاء إلا بالسرج والشموع رغم عتمته نهارا بسبب طرازه المعماري.

[5] التي صليت على واحدة منها كانت في بيت جدي المرحوم الحاج محمد يوسف رحال وهي بيضاوية الشكل, أتلفتها غارة إسرائيلية في ما أتلفت من غرف البيت وموجوداته سنة 1982.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: